اعلان

خطبة الجمعة عن سورة القمر

 خطبة الجمعة عن سورة القمر

الحمد لله رب العالمين، عالم الغيب والشهادة حكم بأحسن الثواب لمن أطاعه وبأشد العقاب لمن عصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: فيا عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله وقاه وحماه، و"سورة القمر" أو "سورة اقتربت" هي السورة الرابعة والخمسون في ترتيب المصحف الشريف، السورة مكية كلها نزولا في قول الجمهور. وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بقاف والقمر في الأضحى والفطر.


بدأت بقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر:1]، أي: اقتربت، ولا شك أنها قد صارت، فاعتبار نسبة ما بقي من بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة، (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، أي: وقد انشق القمر، المراد بالانشقاق الواقع في أيام النبوة معجزة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.


وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس -رضي الله عنه-: إن أهل مكة سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. وروي أن هذا سبب نزول هذه الآية. كما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال -صلى الله عليه وسلم-: انشق القمر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "اشهدوا".


وقوله: (وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) [2]، قال المفسرون: لما انشق القمر، قال المشركون: سحَرَنا محمد. فقال الله: (وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً) يعني انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها ويقولون سحر قوي شديد يعلو كل سحر، وإنه دائم مطرد.


(وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، أي: كذبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما عاينوا من قدرة الله، واتبعوا أهواءهم وما زينه لهم الشيطان الرجيم، (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) [3]، أي: وكل أمر منته إلى غايته، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر.


(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) [4]، أي: ولقد جاء كفار مكة والكفار عموماً من أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن ما فيها ازدجار، يقول: زجرته إذا نهيته عن السوء ووعظته.


(حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) [5]، أي: القرآن حكمة قد بلغت الغاية ليس فيها نقص ولا خلل، ولم تغن النذر شيئاً.


ثم أمر الله سبحانه نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بالإعراض عنهم، فقال: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) [6]، الداعي هو إسرافيل، والشيء النكر هو الأمر الفظيع الذي ينكرونه استعظاماً له؛ لعدم تقدم العهد لهم بمثله.


(خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ)، أي: خاضعة ذليلة؛ لأن الذيل يتبين في الأبصار، (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ)، أي: يخرجون من القبور (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) [7]، كأنهم لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر، أي منبث في الأقطار.


(مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ)، أي: مسرعين إلى الداعي، (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) [8]، أي: يقول الكافرون هذا يوم صعب شديد.


ثم ذكر سبحانه بعض أخبار الأمم السابقة، وبدأها بذكر تكذيب قوم نوح لتسلية النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث نسبوه إلى الجنون، وأن الجن ازدجرته وذهبت بلبه، فدعا -عليه السلام- ربه بأن قومه غلبوه وتمردوا عن الطاعة، دعا الله أن ينصره عليهم، وينتقم منهم.


فاستجاب الله دعاءه، فأرسل عليهم الطوفان، حيث انصب عليهم الماء من السماء انصباباً شديداً، وتفجرت الأرض بالعيون، والتقى ماء السماء وماء الأرض على الحال التي قدرها الله وقضى بها، وحمله الله سبحانه ومن معه في السفينة العريضة المشدودة بالمسامير أو الخيوط والحبال التي شُدَّت بها، وحماه الله ومَن معه، وحفظه وأغرق من كفر به، وهم أكثر قومه، ثم ترك الله السفينة عبرة للمعتبرين، وأن ما فعل الله سبحانه بقوم نوح إنما هو عبرة وعظة وتذكرة، وهذا في الآيات من (9-17).


وقال سبحانه (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) [18]! وذلك للتهويل والتعجب، أي كائنا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [19]، أي: سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من متعظ بمواعظه، ومعتبر بعبره؟ وفي الآية الحث على قراءة القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه، وتكررت هاتين الآتين أو ما هو قريب من لفظهما بعد ذكر الأمم التي عاقبها الله سبحانه بسبب تكذيبهم لأنبيائهم.


ثم ذكر سبحانه قوم عاد الذين كذبوا نبيهم هوداً -عليه السلام-، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً شديدة البرد وشديدة الصوت في يوم دائم الشؤم استمر عليهم بنحسه، تقتلع الناس كأعجاز النخل المنقطع الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس، وذلك أن الريح قلعت رؤوسهم أولا ثم كبتهم على وجوههم، وهذا في الآيات من (18 إلى 22).


ثم ذكر تكذيب قوم ثمود لنبيهم صالح -عليه السلام- حين كذبوا رسولهم وما جاء به، قالوا: كيف نتبع بشراً من جنسنا منفرداً وحده لا متابع له على ما يدعو إليه؟ وقالوا: إنا إذا اتبعناه لفي ظلال وذهاب عن الحق، وفي عذاب وشدة.


ثم أنكروا واستبعدوا أن يخصه الله بالوحي والنبوة وفيهم من هو أحق منه بذلك -على حد زعمهم-، وجزموا بأنه كذاب أشِر: أي بطِر متكبر، ورد عليهم الله سبحانه بقوله: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) [26].


توعدهم الله بعذاب في الدنيا فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة حسب ما اقترحوه ابتلاء وامتحاناً، وأمر نبيه أن ينتظرهم ويصبر على أذاهم، ثم قسم شرب الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون، فنادوا صاحبهم وهو قدار بن سالف عاقر الناقة يحضونه على عقرها، فتناول الناقة فعقرها.


قيل كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم، فانتظم به ساقها، ثم سدد عليها بالسيف فكسر عرقها، ثم نحرها، فعاقبهم الله سبحانه بالصيحة، أي صيحة جبريل -عليه السلام-، صيحة عليهم فكانوا كحطام الشجر ويابسه، (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) [31]، والمحتظر صاحب الحظيرة، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح، وهذا في الآيات من (23 إلى 32).


ثم أخبر سبحانه عن تكذيب قوم لوط له، وأنه سبحانه عذبهم بريح ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، ونجَّى الله سبحانه لوطاً ومن تبعه وقت السحَر، وهو آخر الليل؛ إنعاماً منه عز وجل على لوط ومن تبعه؛ لأنه شكر نعمة الله ولم يكفرها.


وقد أنذر لوط -عليه السلام- وقومه بطشة الله، وهي عذابه الشديد، وعقوبته البالغة؛ لكنهم شكُّوا في الإنذار ولم يصدقوا به، ولم يأبهوا له، وقد أرادوا من لوط أن يمكنهم ممن أتاه من الملائكة ليفجُروا بهم كما هو دأبهم وشأنهم، حيث كانوا يأتون الرجال من دون النساء.


فلعنهم الله فطمس الله أعينهم حيث صيرها ممسوحة لا يُرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب؛ وقيل: اذهب الله نور أبصارهم مع بقاء الأعين على صورتها، وقيل: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل فرجعوا فأتاهم العذاب صباحاً، حيث قلب الله عليهم ديارهم عاليها سافلها، وخسف بهم الأرض، وهذا معنى عام للآيات من (33 إلى 40).


عباد الله: هذه بعض معاني سورة القمر، وسنكمل الحديث عنها في الخطبة الثانية إن شاء الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


 


 


الخطبة الثانية:


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم الدين.


أما بعد: عباد الله، استكمالا للخطبة الأولى عن سورة القمر، فقد ذكر الله سبحانه قوم فرعون حيث جاءهم النذر، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى -عليه السلام-، وهي تسع آيات: العصا واليد والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والسنين ونقص الثمرات؛ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، أي: أخذ غالب منتقم في عذابه، قادر على إهلاكهم، لا يعجزه شيء.


ثم خوف سبحانه كفار مكة بأنهم ليسوا خيراً من كفار مَن تقدمهم من الأمم الذي أهلكوا بسبب كفرهم، وتكذيبهم لرسلهم، وأنكر عليهم أن يكون لهم براءة من عذاب الله في شيء من كتب الأنبياء، كما أنكر عليهم اعتقادهم أنهم جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم، فقال: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [44-45].


وقد هزمهم الله يوم بدر، وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر، فلله الحمد. وفي البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال وهو في قبة له يوم بدر: "أنشدك عهدك ووعدك! اللهم إن شئتَ لم تُعبد بعد اليوم أبداً!".


فأخذ أبو بكر بيده، وقال حسبك يا رسول الله! ألحَحْتَ على ربك! فخرج وهو يثب في الدرع ويقول: "(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [45-46]"، حيث توعدهم الله بعذاب الآخرة، أي: عذابها أعظم وأفظع وأشد مرارة من عذاب الدنيا.


ثم ذكر سبحانه حال المجرمين بأنهم في ذهاب عن الحق، وبعد عنه، (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [48]، أي: قاسُوا حرَّها وشدة عذابها، ثم قال سبحانه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [49]، أي: بقدرة الله، وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه.


وقال: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [50]، أي: إلا مرة واحدة، أو كلمحة كلمح بالبصر في سرعته، واللمح: النظر على العجلة والسرعة.


ثم قال: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [51]؟ أي: أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة، فهل من مُتَّعِظ؟.


(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) [52]، أي: مكتوب في اللوح المحفوظ، (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [53]، أي: كل شيء من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم مسطور في اللوح المحفوظ، كل الأشياء، صغيرة وكبيرة وجليلة وقصيرة.


ولما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء ذكر حال السعداء فقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) [54]، أي: في جنات متنوعة، وأنهار متدفقة، (في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [55]، أي: في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة، عند مليك قادر على ما يشاء، لا يعجزه شيء.


فسورة القمر عالجت أصول العقيدة الإسلامية، وهي من بدئها إلى نهايتها حملة عنيفة مفزعة على المكذبين بآيات القرآن الكريم، ولها طابعها الخاص في التهديد والوعيد، والإعذار والإنذار، مع صور شتى من مشاهد العذاب والدمار؛ ثم ختمت السورة الكريمة ببيان مآل السعداء المتقين، بعد ذكر مآل الأشقياء المجرمين.


عباد الله: هذه لمحة عن بعض معاني سورة القمر وانشقاقه، تلك المعجزة الإلهية العظيمة التي جعلها الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وما فيها من العظات والعبر، وأسأل الله أن نتعظ ونتذكر بما جاء فيها، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.


وصلُّوا وسلِّموا -عباد الله- على خاتم رسل الله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.


مقالات ذات صلة

تعليقات