اعلان

خطبة الجمعة عن سورة المزمل

 خطبة الجمعة عن سورة المزمل

الحمد لله الذي أمر رسوله وأُمَّته بالصلاة والقيام، وخصَّ قيام الليل بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن بمزيد فضل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله، واقرؤوا كتابه الكريم بتفهم وتدبر، وسنتحدث هذا اليوم -إن شاء الله- عن سورةِ المزمِّلِ، السورةِ الثالثةِ والسبعين في ترتيب المصحف الشريف، وهي عشرون آية، وهي مكية إلا آيتين منها، هي قوله تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلَاً) [المزمل:10] والتي تليها، وقيل غيره.

بدأت السورة بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) [1]، وأصله المتزمِّل، والتزمُّل: التلفُّف في الثوب، وهذا الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، قيل: إنه كان يتزمل بثيابه لما ما جاءه جبريل بالوحي؛ فَرَقاً منه، أي: خوفا منه، حتى أنس به، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سمع صوت الملَك ونظر إليه أخذته الرِّعْدة، فأتى أهله وقال: زمِّلوني زمِّلوني، أو زمِّلوني دثِّروني.

وبعد وأن آنس بالوحي أنزل الله إليه قوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) [2]، أي: قُم الليل إلا قليلا منه، (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) [3-4]، أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد عليه قليلا إلى الثلثين، واقرأ القرآن على مهل مع تدبُّرٍ. وأصل الترتيل: التنسيق والتنضيد وحسن النظام.

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [5]، أي: سنُوحي إليك القرآن، وهو قول لا ثقيل لا يحمله إلا قَوِيٌّ مُؤَيَّدٌ بالتوفيق، ونفسٌ مزيَّنة بالتوحيد، (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [6]، أي: ساعات الليل وأوقاته وقيامه والصلاة فيه أشد موافقة، وأشد مقالا، وأثبت قراءة؛ لحضور القلب فيها، وهدوء الأصوات، وأشد استقامة واستمراراً على الصواب؛ لأن الأصوات في الليل هادئة، والدنيا ساكتة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه.

(إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) [7]، أي: تصرُّفاً في حوائجك، وإقبالا وإدباراً، وذهابا ومجيئا، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [8]، أي: ادعه بأسمائه الحسنى، وانقطِعْ إليه انقطاعاً كاملا بالاشتغال بعبادته، والتبتل والانقطاع. وقيل: رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله.

(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) [9]، أي: هو سبحانه المالك لمشارق الأرض ومغاربها، لا إله غيره، ولا رب سواه، فاعتمد عليه، وفوض أمورك إليه. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) من الأذى والسب والاستهزاء، ولا تجزع من ذلك، (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [10] قيل: الهجر الجميل الذي لا جزع فيه، ولا عتاب معه.

(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ)، أي: دعني وإياهم ولا تهتم، فإني أكفيك أمرهم، وأنتقم لك منهم. وأولي النَّعْمَة: أرباب السَّعَة والغنى والترفُّه واللَّذة في الدنيا، (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) [11]، أي: زمنا يسيراً حتى ينالوا العذاب الشديد.

قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة، فلما خرج منها سلط عليهم السنين المجدبة، وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر، وهو العذاب الخاص.

(إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا) [12]، الأنكال: جمع نكل، وهو القيد، أي: إن لدينا قيوداً وناراً مؤججة للمجرمين، وهذا وعيد لهم في الآخرة، (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا) [13]، أي: طعاماً لا يسوغ في الحلق، بل ينشب فيه فلا ينزل ولا يخرج. قيل: هو الزقوم. وقيل: الضريع. والغُصَّةُ الشَّجَا في الحلق، والعذاب الأليم: أيّ نوعٍ آخر من العذاب غير ما ذكر. (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) [14]، أي: تتحرك الأرض وتضطرب بمن عليها، وتكون الجبال كالرمل المجتمِع الذي يمر تحت الأرجل.

(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) [15]، الخطاب لأهل مكة، أو لكفار العرب، أو لجميع الكفار، والرسول هنا هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، والمعنى: يشهد عليكم يوم القيامة كما أرسلنا موسى إلى فرعون وقومه، (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) [16]، أي: كذب به وبما جاء به، وعاقبناه عقوبة شديدة بالغرَق.

(فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) [17]؟ أي كيف تقون أنفسكم -إن بقيتم على كفركم- يوم عذاب يشيب لهوله الولدان فيصيرون شيوخاً؟! (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) [18]، أي: متشققة لشدته وعظيم هوله، كان وعد الله بما وعد به من البعث والحساب وغير ذلك كائناً لا محالة.

وأخرج احمد ومسلم وغيرهما عن سعيد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ألست تقرأ هذه السورة (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حولا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فَرْضِهِ.

وقوله (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ): الإشارة إلى ما تقدم من الآيات، والتذكرة: الموعظة، وقيل: جميع آيات القرآن الكريم، (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [19]، أي: اتخذ بالطاعة -التي أهم أنواعها التوحيد- إلى ربه طريقاً.

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ)، أي: إن الله يعلم أن رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقوم أقل من ثلثي الليل، ونصفه، وثلثه، (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)، أي: ويقوم معك طائفة من أصحابك، (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، ويختص بذلك دون غيره، وانتم لا تعلمون ذلك على الحقيقة.

(عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)، أي: لن تُطيقوا قيام الليل، (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ)، أي: فاقرؤوا في صلاة قيام الليل ما خف عليكم وما تيسر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتا، (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) فلا يطيقون قيام الليل بسبب المرض، (وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، أي: يسافرون فيها للتجارة والأرباح، ويطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه من مَعاشهم فلا يطيقون قيام الليل، (وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، يعني: المجاهدين، فلا يطيقون قيام الليل.

فهذه الأسباب الثلاثة تقتضي الترخيص، ورفع وجوب قيام الليل، فرفعه الله -عز وجل- عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم، ثم ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)، أي من القرآن، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، أي الصلوات الخمس المفروضة في أوقاتها.

(وَآَتُوا الزَّكَاةَ)، يعني الواجبة في الأموال، (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: أنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقاً حسَناً، (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)، أي: خيراً مما تؤخرون إلى عند الموت، أو توصون به ليخرج بعد موتكم، (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [20]، أي: اطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، فإنكم لا تخلون من ذنوب تقترفونها.

عباد الله: هذه جملة معاني آيات سورة المزمل، أسأل الله أن ينفعنا بما فيها من مواعظَ وعِبَرٍ وأحكامٍ، وبالقرآن الكريم، وسُنَّةِ خاتم المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: سورة المزمل تناولت جانباً من حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تبتله، وطاعته، وقيامه الليل، وتلاوته لكتاب الله -عز وجل-، وقد بدأت السورة ببدءٍ لطيفٍ للرسول -صلى الله عليه وسلم- يدل على لطف الله -عز وجل- بعبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يجهد نفسه في عبادة الله؛ ابتغاء مرضاته، وخاصة في بداية الوحي، وبداية بعثته -صلى الله عليه وسلم-.

كما تناولت ثِقَل الوحي الذي كلف الله به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقوم بتبليغه للناس بجد ونشاط، ويستعين على ذلك بالاستعداد الروحي بإحياء الليل في العبادة، كما أمر الله -عز وجل- رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على أذى المشركين، وهجرهم هجراً جميلاً إلى أن ينتقم الله منهم، ثم توعد الله -عز وجل- المشركين بالعذاب والنكال يوم القيامة، حيث يكون فيه من الهول والفزع ما يشيب له رؤوس الولدان.

ثم ختمت السورة بتخفيف الله عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعن المؤمنين من قيام الليل؛ رحمةً به وبهم، ليتفرغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لبعض شئون الحياة، وليقوم بتبليغ الرسالة، والجهاد في سبيل الله.

فأسأل الله أن ينفعنا بهذه السورة الكريمة، وبكتابه الكريم، وهدي خاتم المرسلين، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

وصلُّوا وسلِّموا -عباد الله- على خاتم رسل الله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

مقالات ذات صلة

تعليقات