اعلان

بحث عن غسيل الأموال في العراق

 بحث عن غسيل الأموال في العراق

تعد ظاهرة غسيل الأموال اليوم من أخطر المشاكل ، لما لها من أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة ، وكانت هناك محاولات عديدة لمواجهتها على مستويات مختلفة. 

لكن دور البنك المركزي يأتي في المقام الأول ، لا سيما في البلدان التي يتمتع فيها البنك المركزي باستقلال كامل. 

يتجه الاقتصاد العراقي نحو مسار غامض نتيجة انتشار هذه الظاهرة في جميع قطاعات الاقتصاد ، وعلى الرغم من المحاولات العديدة التي قام بها البنك المركزي من خلال إصدار القوانين والتعليمات ، والإشراف المستمر على البنوك التجارية والمصارف. المؤسسات المالية الأخرى ، لكنها لم تستطع إثبات دورها بشكل كبير

في مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003 ، شكل العراق أرضًا خصبة لظهور شبكات غسيل الأموال التي استفادت من تداعيات التغيير الجذري للنظام السياسي وما صاحب ذلك من فوضى سياسية واقتصادية وأمنية أججتها المنافسة المحمومة بين الفصائل السياسية وممثلي المكونات العرقية والطائفية لامتلاكهم أكبر قدر ممكن من السلطة والنفوذ ، مما يسهل استغلال موارد الدولة وتحصيل الأموال التي وجدت طريقها إلى الخارج من خلال عمليات غسيل أموال منظمة ومغطاة سياسياً. وكان هذا هو السبب الرئيسي وراء تعطيل آليات الرقابة على حركة الأموال والتجارة مع الدول الأخرى في ظل حالة الانفتاح الشامل على الاقتصاد العالمي.

على الرغم من إنشاء العديد من الهيئات التنظيمية ، مثل الهيئة الاتحادية للنزاهة (CoI) ، ومكاتب المفتشين العامين في الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية ، وكذلك ديوان الرقابة المالية الاتحادي (FBSA) ، ومديرية الجرائم الاقتصادية في وزارة الداخلية ودائرة الأمن الاقتصادي بجهاز الأمن الوطني ، كل تلك الهيئات لم تتمكن من مكافحة هذه الظاهرة بسبب التدخلات السياسية التي اتخذت انعدام الأمن والحرب الطائفية غطاءً وذريعة للتهرب من المزيد. أكثر من عقد من الضغط الذي مارسه البنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية التي هددت مرارًا وتكرارًا بوضع العراق على القائمة السوداء إذا لم يسن قانونًا لمكافحة غسل الأموال ، وهو الأمر الذي لم يتم حتى عام 2015 عندما أصدر مجلس النواب القانون رقم. رقم 39 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ، والذي ينص على إنشاء مجلس مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ، الذي ح يمنح صلاحيات واسعة ، فضلا عن تشكيل مكتب داخل البنك المركزي العراقي (CBI) يسمى مكتب مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب.

وكان أول تقرير لـ"مؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال" عام 2012 قد صنّف العراق في المركز السادس بين أسوأ الدول في مجال مكافحة غسل الأموال، وهو ما دعا الاتحاد الأوروبي إلى وضعه في يوليو 2016 على قائمة الدول التي تفتقر إلى تطبيق المعايير الدولية. ورغم أن الاتحاد وفي بادرة حسن نية، عاد عام 2018 ورفع اسم العراق من قائمته السوداء حتى مع احتلاله المركز الأول في تقرير مؤشر بازل لعام 2017 كأخطر دولة في مجال غسل الأموال، إلا أن الحكومة العراقية فشلت في استغلال هذه الفرصة لتحسين صورة البلاد عبر الخطو باتجاه تلبية انشغالات شركائها الدوليين.

تغذَّت تجارة غسل الأموال في العراق خلال السنوات الماضية من مصادر عدة، أهمها:


الموازنات الاستثمارية: شكَّلت الموازنات الاستثمارية التي رصدتها الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003، والتي تتراوح التقديرات بشأن حجمها ما بين 300 إلى 500 مليار دولار أمريكي، من أجل إعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير المرافق العامة، مصدراً رئيساً من مصادر تربُّح الأحزاب الحاكمة عبر إحالة العقود والمقاولات الفاسدة إلى شركات وهمية أو غير مؤهلة أو غير مختصة، مقابل عمولات ضخمة يُعتقد بأن قيمتها لم تقل عن خُمْس قيمة كل عقد، والتي غالباً ما جرى تنفيذها بصورة غير مطابقة للمواصفات أو تم تمديد فترة تسليمها لسنوات إضافية بذريعة عدم الاستقرار الأمني.

تهريب النفط: فضلاً عن بقاء منصات تصدير النفط الجنوبية من دون عدّادات حتى نهاية عام 2017، واستخدام طريقة "الذرعة" لقياس حجم حمولة ناقلات النفط، وهو ما كان يكلّف العراق خسارة آلاف براميل النفط في كل شحنة مقابل كل سنتيمتر غير مُحتسَب، فإن أنابيب النفط الممتدة بين الحقول والموانئ، التي تعمل حتى اليوم من دون عدادات سواء على مستوى حقول النفط أو محطات الضخ الثانوية أو المصافي، لا تزال الهدف المفضل لعمليات سرقة النفط الخام ومشتقاته، وهي الممارسات التي يُقدر بأنها تستحوذ على ما بين 100 ألف و250 ألف برميل يومياً من إنتاج النفط العراقي، فضلاً عن أوجه الفساد الإداري الأخرى في احتساب كميات النفط الداخلة إلى المصافي والخارجة منها. أما في الوسط والشمال فإن حقول النفط وشبكات تهريبه التي كانت تمول تنظيم "داعش" إثر سقوط مدينة الموصل منتصف 2014، فتواصل عملها كالمعتاد لكن لصالح المليشيات الشيعية الموالية لإيران، وبالتعاون مع الأحزاب الكردية التي تنشط من جانبها في تهريب النفط المنتج في إقليم كردستان؛ وهو ما يراكم الحجم الهائل من الأموال التي يجب غسلها من أجل تسهيل إدماجها في النظام المالي العالمي.

تهريب المخدرات وتجارة الأسلحة: بات استهلاك المخدرات محلياً بعد الغزو الأمريكي واحداً من أكثر التجارات ربحية وأسرعها نمواً بفعل انخراط المليشيات الشيعية والعشائر المسلحة فيها، لاسيما في محافظة البصرة التي تشهد صراعاً شرساً على احتكار طرق تهريبها من إيران إلى داخل العراق، والذي يتمظهر غالباً في شكل نزاعات عشائرية مسلحة.

المنافذ الحدودية: ظلت المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية حتى مطلع شهر يوليو الماضي، خارج سلطة الدولة تماماً، بفعل سيطرة القوى الشيعية التقليدية والميليشياوية عليها، فضلاً عن منافذ إقليم كردستان التي ترفض حكومته منذ عام 2003 تمكين الحكومة الاتحادية من الإشراف عليها طبقاً للدستور، وهو ما يكلّف الخزينة العامة خسائر تقدر ما بين 5 و10 مليارات دولار سنوياً نتيجة التهرب الجمركي والتهريب المنظم الذي يمارس هناك.



مقالات ذات صلة

تعليقات